الغذاء الصحي المتوازن.. كلمة السر في التحكم في الوزن

الغذاء الصحي المتوازن - تحدي صحي

 

لاحت لعيني الرياض المنورة بأزهارها والأشجار المُصَفِقة بأغصانها. تأملت النخلات الباسقات وثمار الأشجار والزرع المختلفة من التين والزيتون والرمان والعنب والتفاح، وتأملت حقولا تتراءى لي مد البصر متزينة بالقمح تارة، والبصل والعدس والبقل تارة أخرى، يخرج بعضها في فصل من السنة دون الآخر، فما أن يأتي موعدها حتى تكون في شوق إليها. والأنعام من الإبل والبقر والغنم سارحة غارقة في هذا الفناء الفسيح كلها مسخرة لك أيها الانسان، ليس فقط لتأكل ما لذ وطاب منها، بل وتنعم بأصوافها وأوبارها وأشعارها. تذكرت قوله تعالى: “وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه” الجاثية آية 13، وقوله” قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق” الأعراف آية 32

وتذكرت سآمة بني إسرائيل وتضجرهم من نوع واحد من الطعام حتى طلبوا البقل والثوم والعدس والبصل, وكان لهم المن والسلوى من قبل.

قلت في نفسي: لو شاء لخلقها لونا واحدا لا صنوفا شتى.

تذكرت الذين يقتِّرون على أنفسهم وعلى غيرهم برزق دون رزق، وثمر دون ثمر.

لماذا نأكل؟

يعدُّ الغذاء والسعرات التي نتناولها العامل الأول في معادلة توازن الطاقة، وسميناها الطاقة الداخلة، فالغذاء -كما علمنا- هو الوقود الذي يزود الجسم (الخلايا والعضلات) بالحرارة لتقوم بوظائفها المختلفة كالعمليات الحيوية مثل التنفس بالإضافة الى الحركة والتنقل. ليس هذا فحسب، فالغذاء يزوّد الجسم بالعناصر والمواد الغذائية المفيدة التي تدخل في تركيب خلايا وأنسجة الجسم، فمنها ما يحتاجه الجسم بكميات كبيرة مثل الكربوهيدرات والدهون والبروتين، ومنها ما يحتاجه بكميات ضئيلة مثل الأملاح كالكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم والفيتامينات كفيتامين A, B B12, D, E، وأي خلل في هذه العناصر أو الفيتامينات سيظهر على شكل أعراض غير مرغوبة أو أمراض. مثلا، النقص في البوتاسيوم قد يؤدي إلى مشاكل في القلب، ونقص الحديد قد يؤدي إلى فقر الدم وهكذا. من المؤكد أن الغذاء الصحي المتوازن يقيك من العديد من الأمراض مثل السرطان وأمراض القلب وهشاشة العظام.

إكسير الحياة

ومع أن مفهوم الغذاء الصحي بسيط، ولا يحتاج فهمه إلى مزيد عناء، إلّا أنه وفي عصر ثورة المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي اختلط الحابل بالنابل، وأصبحنا نصحو كل يوم على وصفات جديدة و أنظامة غذائية مبتكرة. ترى كتباً ملونة ومنمقة هنا وهناك. كل له فلسفته، وقد ينسف هذا ما يقول ذاك. ويصيبني ويصيبك السآمة من كثرة ما قيل ويقال في هذا الشأن، وقد نصاب باليأس أحياناً مع أن الأمر أبسط من ذلك بكثير. يود الكثير من الناس في لو يعثر على نوع من النبات أو الأعشاب ليكون أكسير الحياة أو ينبوع الشباب أو الدواء من كل داء. الحقيقة أنهم لن يهتدوا إلى ذلك سبيلا ، ولن يصلوا إلى مرادهم لأن العلم لا يقرُّ بشيء من ذلك. فلندع أصحاب الصرعات والوصفات السحرية جانباً -على الأقل الآن- لنبين باختصار المبادئ الأساسية للغذاء الصحي!

الغذاء الصحي المتوازن

من المبادئ الصحية والتي يحرص خبراء التغذية على توعية الناس بها: الغذاء المتوازن، لذلك قامت العديد من المؤسسات الدولية بإصدار العديد من الرسوم التوضيحية لإيصال هذا المفهوم بشكل مبسط. فكان الهرم الغذائي خطوة أولى في هذا المجال ثم جاء الطبق الصحي [1]، كما يتم إجراء تعديلات دورية عليه. الفكرة الأساسية من الغذاء المتوازن هو التنويع بين جميع المجموعات الغذائية، حيث لا توفر مجموعة واحدة جميع ما يحتاجه الجسم.

 

الغذاء الصحي المتوازن - تحدي صحي
الطبق الصحي الذي يوضح مفهوم الغذاء الصحي المتوازن

 

فالكربوهيدرات مثل الخبز والأرز والبطاطا والمعكرونة مصدر أساسيٌّ للطاقة، فعند تناولها يقوم الجسم بتحويلها الى سكر الجلوكوز في  ليستفيد منه الجسم في الحركة والوظائف الحيوية. ولعل أفضل مصادر الكربوهيدرات تلك الغنية بالألياف والمعادن مثل الشوفان وخبز الحبوب الكاملة مثل خبز النخالة. تساعد الألياف على الوقاية والعلاج من الإمساك، والتحكم بمستوى الكولسترول في الدم كما تشعرك بالشبع حيث يمتصها الجسم ببطء، مما يساعد في تزويد الجسم بالسكر لأطول فترة ممكنة، وهذا ما يريده الذين يرغبون بتنزيل الوزن. بقي أن نعلم أن الكربوهيدرات قد تستحوذ على نسبة كبيرة من الغذاء الذي نتناوله (حوالي 50٪ من اجمالي ما نتناوله).

أما البروتينات فمصادرها متعددة، وأشهرها المصادر الحيوانية كاللحوم الحمراء والدجاج والأسماك والبيض. وهناك أيضا مصادر نباتية مثل الفول والعدس والحمص والتي تعد أكثر فائدة لاحتوائها على نسب أقل من الدهون، والتي توجد بشكل أكبر في اللحوم الحمراء وجلد الدجاج. يحتوي البروتين على الأحماض الأمينية، والتي تعد ضرورية لتعويض الأنسجة العضلية، كما تدخل في تركيب الأنزيمات والهرمونات داخل الجسم.

والخضروات والفواكه من أهم المجموعات الغذائية، وللأسف كثيرا ما نهملها، إلا أنها غنية بالألياف والمعادن والفيتامينات بأنواعها، وتشكل أيضا مصدراً للسوائل (الماء)، وأهم ما يميّزها أنها قليلة السعرات الحرارية. فالحمضيات تحتوي على كميات كبيرة من فيتامين C، والموز والتمر غنيان بالبوتاسيوم والمغنيسيوم، والبروكلي والخضروات الورقية مثل الخس غنية بفيتامين K، وتعتبر الطماطم مصدرا غنيا بالبوتاسيوم وفيتامين C و K.

يشتكي الكثير من نقص في الفيتامينات، وقد يسألون عن مدى جدوى تناول المكملات الغذائية لتعزيز الفيتامينات. في الغالب يكون تناول الخضروات والفواكه بكثرة أحد أهم الحلول (مع الغذائ المتوازن)، ولا داعي لمثل هذه المكملات إلا إذا أثبتت الفحوصات الطبية نقصا فيها. لذلك توصي الدراسات بتناول ما لا يقل عن 5 حصص من الخضروات والفواكه يوميا، حيث تعادل حصة الفواكه الواحدة حبة من التفاح والموز معتدلة الحجم. أما الحصة الواحدة من الخضروات فتعادل كوباً من الخضروات المسلوقة أو كوبين من الخضروات الورقية (السلطة). كن مبدعا في إدخال الخضروات والفواكه إلى مائدتك اليومية، فلك أن تتناولها ما بين الوجبات كوجبة خفيفة أو مع الوجبات بإضافة السلطة أو الخضار المسلوق إلى طبقك.

تفقد الخضروات شيئا من فائدتها (الألياف) عند الطبخ، إلا أن ذلك يعتبر أفضل من عدم تناولها. أما عصير الفاكهة فيفضل عدم تناوله بكثرة، والاكتفاء بكوب واحد يوميا، وذلك لأنها كثيرة السعرات الحرارية، كما أن الفاكهة تفقد الكثير من فائدتها -خصوصا الألياف- عند العصر. بقي أن نعلم أنه ينصح بتناول العصائر الطازجة بدلا من المعلبة، والتي عادة ما تحتوي على السكر المضاف والمواد الحافظة أو المصنعة.

تعد الخضروات والفواكه من أهم عناصر الغذاء المتوازن

ولك من مشتقات الحليب والألبان والأجبان البيضاء والصفراء والزبادي والروب قدر يومي، فهي تمد الجسم بالبروتينات، والكالسيوم المهم للعظام والاسنان، بالإضافة إلى فيتامين B12 و D، وتحتوي على سكر اللاكتوز، لذلك فهي مصدر للكربوهيدرات، كما تحتوي على الدهون التي توجد في منتجات الحليب كاملة الدسم والزبدة والأجبان الصفراء. أما الألبان، فبعض أنواعها يحتوي على البكتيريا النافعة التي تساعد على الهضم.  قد يعاني بعض الأشخاص من حساسية اللاكتوز، لذلك يمكن الاستعاضة عن الحليب ومشتقاته بحليب الصويا أو المنتجات المدعمة بالكالسيوم مثل الأرز المدعم بالكالسيوم.

آخر هذه الأصناف هي الدهون، فليست ضارة بشكل كامل، ولا هي مما يجب الابتعاد عنه كليا. على العكس، تساعد بعض أنواع الدهون في امتصاص بعض الفيتامينات مثل: فيتامين A, D, E, K، فما عليك إلا أن تتجنب الدهون المتحولة، والإفراط في تناولها بشكل عام.

ولمزيد من الإيضاح، فالدهون أنواع:

1.  الدهون المشبعة: تلك التي تصاحب المصادر الحيوانية مثل اللحوم والدجاج ومنتجات الحليب والأجبان كاملة الدسم والزبدة والسمن. وعادة ما تكون صلبة في درجة حرارة الجو. يفضل عدم الإكثار من تناولها، وأن لا تتجاوز ما نسبته 10٪ من مجموع السعرات الكلي اليومي.

2.  الدهون غير المشبعة (سواء كانت أحادية او متعددة غير مشبعة)، وهي تلك التي توجد في المصادر النباتية مثل زيت الزيتون والأفوكادو والمكسرات، وعادة ما تكون سائلة في درجة حرارة الغرفة. ينضوي تحت هذا النوع أوميجا 3، والذي يوجد بكثرة في الأسماك مثل التونا والسلمون. يعد هذا النوع من الدهون صحيا، حيث أثبتت الدراسات تلازمه مع التقليل من أمراض القلب والشرايين، فهو يقلل من الكوليسترول الضار الذي ينتجه الجسم، وينصح بتناول الأسماك مرتين بالأسبوع.

أما الدهون المتحولة، فتلك بالأصل دهون نباتية تحولت بفعل عمليات الهدرجة، والتي تحدث عند تسخينها على درجات عالية مثل القلي، وتعد دهونا ضارة يجب تجنبها كالدجاج والبطاطا المقلية والبسكويت وبعض أنواع الحلويات.

لكن تذكر أن الدهون مما بجب تناوله باعتدال لأنها ذات سعرات حرارية عالية!

الغذاء الصحي المتوازن هو الذي يشمل جميع المجوعات الغذائية بحيث لا تطغى مجموعة على أخرى!

أعطني برنامجاً ولن ألتزم به!

كثيرا ما يصرُّ معالجو التغذية على إعطاء الراغبين بتنزيل الوزن برامج محددة، فيها ما يجب عليك أن تأكله بالتحديد في كل وجبة. وقد يكون منمقا ومزركشا في كثير من الأحيان. وقد يستحسن متلقي المشورة ذلك، بل ويطلبه. والمشكلة في هذه البرامج أنها لا تراعي الاحتياجات الفردية للشخص، ولا رغباته، وعاداته الحالية، ولا حتى ظروف عمله. قد تجلب هذه البرامج شيئا من التحسن لفترة معينة، لكنها مؤقتة، وغير فعالة على المدى البعيد. كثيرا ما اشتكى إليّ الكثير منها قائلا: لا يمكن أن أقتنع ببرنامج يقدم لي قطعة من الجبن كحجم علبة الكبريت!!

كلمة أخيرة

كثيرا هي حالات الفشل التي تتمثل بعدم الوصول إلى الوزن المطلوب أو الذين يعودون لسابق عهدهم، فيكسبون كيلوغرامات فقدوها من قبل!

كل نظام غذائي لا يراعي التنوع ويحرمك التمتع بالأكل مصيره الفشل!

كل نظام قاس يجهدك لن تستمر عليه!

كل نظام لا يراعي احتياجاتك من المواد المغذية والعناصر المفيدة مآله الترك والهجر!

أنظر قائمة المراجع

[1] شاهد أيضا الطبق الصحي الذي تم تطويره من جامعة هارفرد-قسم التغذية (الرابط)

 

لطفا شارك مع أصدقائك

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments