الحميات الغذائية الحديثة: إدعاءات براقة ولكن ماذا عن فعاليتها؟

الحميات الغذائية الحديثة

هل تود أن تخسر 20 كيلوغراماً أو تتخلص من الكرش بلمح البصر؟

لن تتعب كثيراً حتى تعثر أو تتلقى بعض النصائح -من هنا أو هناك- بتجريب الحميات الحديثة. يروج لها في مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت بشكل متزايد، وأصبحت موضة في كثير من الأحيان حتى أن أصحابها يتفاخرون بالتقيد بها كما يتفاخر العربي بنسبه وجاهه.

للأسف كثيراً ما تتعارض هذه الحميات مع مبدأ التوازن الغذائي. وتسمى في المراجع العلمية أحياناً بالتجارية (!!commercial diet plans) كما يسميها بعض الخبراء بالحميات المبتدعة (fad diets) وكثيرة هي أسماؤها وأشكالها وألوانها.

تقوم هذه الحميات الغذائية على حصر نوع من الأغذية مثل النشويات او الكربوهيدرات أو التقليل منها بشكل كبير وهكذا…. منهم من منع الحليب، ومنهم من منع بعض الفاكهة، ولا تعجب من كثرة تفاصيلها. كل يدعي أنه الغذاء الأمثل والصحي والذي يقضي على الشحوم المتراكمة التي أعيت الناس، وكأنهم اخترعوا الدواء الشافي والحل الناجع. ومما لا شك فيه أن هناك دوافع مادية وتسويقية وراء ذلك. كتب جديدة ذات ألوان جذابة تباع بالملايين وبرامج متاحة على الأنترنت وأغذية معلبة تدعي أنها تدعم ذاك النظام الغذائي.

أما الآن فلنعرض بإيجاز أشهر هذه الحميات الغذائية:

  1. الكيتو (ketogenic diet): يعتمد هذا النوع على تقليل الكربوهيدرات بشكل كبير حتى أنه يمنع تناول البقوليات, ومعظم أنواع الفاكهة وحتى بعض الخضروات مثل الجزر والبطاطا. أما البروتين فينصح بتناوله بكمية كافية، والدهون يجب أن تكون صحية مثل الأفوكادو. ولكن ماذا عن آلية عمله؟ عند نضوب الجلوكوز من الجسم يقوم الجسم بحرق الدهون واستعمالها كمصدر للطاقة، ويرافق ذلك إنتاج الكيتونات عن طريق عملية تسمى (ketosis) والتي تعمل على تقليل الشعور بالشبع كما تزود الدماغ بالطاقة. ويحتاج الجسم لعدة أيام ليعتاد على هذه الحالة. للأسف، فهناك العديد من الأثار الجانبية لهذه العملية مثل الدوخة والتعب والصداع والإمساك.
  2. أتكنز (Dr. Atknis diet): وينسب اسمها إلى الطبيب الذي وضعه. وشأنه عجيب، فلقد حقق الكتاب ما يزيد عن 35 مليون نسخه في أول سنة. ويقوم على التقليل من الكربوهيدرات حيث لا خبز ولا أرز ولا معكرونة مع الإكثار من البروتين والدهون بغض النظر عن نوع الدهون سواء كانت مفيدة أو غير مفيدة.
  3. مراقبين الوزن (Weight Watchers): وينبني على نظام ذكي (كما ينسب اليه!) بحيث ينبهك على تناول الطعام الصحي والمفيد، ويحتوي على أربعة مكونات رئيسية: السعرات الحرارية، والدهون المشبعة، والسكريات، والبروتين. يتم حساب السعرات الحرارية التي تحتاجها كل يوم بناء على الوزن والطول وعوامل أخرى. وبما أن السعرات ليست كبعضها البعض من ناحية القيمة الغذائية، يُعطى لكل صنف من الطعام نقاط معينة بحيث يكون للطعام الصحي مثل البروتين (مثل صدر الدجاج) والخضروات والفواكه نقاط قليلة (وتمّ تعديلها مؤخراً لبعض الأصناف بحيث تكون صفر)، وذلك للتشجيع على تناولها بشكل أكبر، بينما تحتوي الدهون المشبعة والسكريات على نقاط أعلى، وهذا يجعلك تصل الى الحد اليومي بسهولة. بالتأكيد تقوم برصد كل ما تأكله لمراقبة وحساب النقاط اليومية بحيث يتبين لك إذا ما تجاوزت الحد المسموح أو التزمت بما هو متاح لك.
  4. أورنيش (Ornish diet): وهو نظام غذائي نباتي ويقوم على منع الدهون من مصادرها الحيوانية والنباتية، فمثلاً، يقلل هذا النظام من الأسماك والمكسرات وزيت الزيتون بالرغم من فوائدها لصحة القلب.
  5. ديتوكس (Detox diet): يذكرني هذا النظام بقوارير المياه الملونة التي تحتوي على قطع الفاكهة. يزعم هذا النظام على قدرته على تنقية السموم التي تراكمت عبر السنين عند التزامك بتناول هذه السوائل لعدة أيام، هذا عدا عن قدرته على تنزيل الوزن. للأسف فليس هناك أي دليل على صحة هذه المزاعم.
  6. الصيام المتقطع (Intermittent fasting): يقوم هذا النظام على الصيام لفترات طويلة خلال اليوم بما يقارب 16 ساعة يتخللها شرب المياه وعادة ما يتم الاكتفاء بوجبة واحدة. وله أشكال وألوان أخرى كالصيام لمدة 24 بحيث يليه 24 ساعة بدون صيام وهكذا.

وغير هذه الحميات الغذائية الكثير مثل نظام باليو (Paleo) والشاطئ الجنوبي (South Beach).

الفعالية والدليل!

لعلك لاحظت من خلال هذا الاستعراض البسيط عدة أمور منها: أن لأكثر هذه الانظمة آثاراً سلبية كما في حالة نظام الكيتو وأتكنز، وأنها قد لا تناسب عدداً كبيراً من الناس.. والبعض الآخر يقوم على مزاعم لا تقوم على أساس من الصحة مثل الديتوكس. بالتأكيد فد يرافق استخدام هذه الأنظمة نزولٌ في الوزن لأنها بالمحصلة تساهم في تقليل السعرات الحرارية، وقد تجد بعض الدراسات من هنا ومن هناك تدعم فعالية بعض هذه الأنظمة من حيث قدرتها على تحسين الكولسترول ونسبة السكر في الدم أو حتى تنزيل الوزن مثلاً، لكن هذا لا يعد كافياً لعدة أسباب:

  • أولاً: ان هناك ما يسمى بالتأثير الوهمي (placebo effect) أي أن هناك أثرا نفسياً وهذا يعرفه المتخصصون في مجال الأبحاث والدراسات حتى انهم يسعون للسيطرة على هذا العامل بعدة وسائل لا مجال لذكرها الآن. كثيرا ما ستصادف العديد من الناس الذين التزموا بهذه البرامج يثنون عليها ويصفون مدى تحسن مشاعرهم وإحساسهم.
  • ثانياً: قامت دراسة مراجعة قيّمة تم نشرها في 2019 [1] بجمع أقوى الدراسات (من حيث الدليل العلمي) المتعلقة بعدة أنظمة غذائية منها أتكنز ومراقبين الوزن والشاطئ الجنوبي وذلك للمقارنة بينها من حيث تنزيل الوزن، وخلصت الدراسة إلي أن نزول الوزن كان طفيفاً خلال السنة الأولى (ما يعادل 3 كغم كحد أقصى)، وكانت الفروقات بين هذه الأنظمة قليلة مع تفوق لنظام مراقبة الوزن في السنة الأولى. ومع ذلك وجدت الدراسة انه كان هناك استرداد لجزء من الوزن المفقود بعد سنتين (مع أن الوزن الكلي المفقود بالأصل قليل!). وتساءلت الدراسة: هل تستحق هذه البرامج كل هذه الموارد التي تنفق عليها مقارنة مع فعاليتها؟؟
أهم خصائص الحميات الغذائية الحديثة – تحدي صحي

يجب أن نعلم أن كثيراً من الناس لا يطيق هذا التحديد والتضييق فيما تأكله ولا تأكله، فلكل بلد أكلاته الشعبية وحلوياته فلا يستطيع تركها بالكامل. والأسوء من ذلك، أنه يتم منع أصناف مفيدة مثل الفواكه والخضروات والبقوليات عند بعض هذه البرامج. يدرك الخبراء في هذا المجال أنه ما لم يتم تعديل في السلوكيات والعادات الغذائية فستكون النتائج محدودة، ولا يعدو ذلك عن فترة مؤقتة ويرجع كل شيء لما كان عليه، وكما قيل تعود حليمة لعادتها القديمة!!

وإذا أردت ان تجرب هذه الحميات الغذائية، فاسأل نفسك هذه الأسئلة قبل البدء:

  • هل أنت مستعد لتحمل أضرارها وآثارها؟
  • هل تستطيع أن تستمر عليها لفترة طويلة أو أن تكون جزءا من نظامك الغذائي الاعتيادي؟
  • هل أنت مستعد لصرف المال والجهد للالتزام بها؟

علامات الحميات الغذائية المبتدعة؟

1.     تعدك بنزول الوزن السريع في فترة قياسية

2.     تنصحك بتناول بعض الأغذية وتحظر عنك الآخر والمحصلة عدم وجود توازن غذائي

3.     تجعلك معتمداً على أنواع من الأغذية أو المنتجات، ويرافقها حملات دعائية هدفها كسب المزيد من المال

4.     غير قادرة على تغيير النمط والسلوك الغذائي

5.     غير قادرة على المحافظة على الوزن بعد نزوله

استثناء

بعيدا عن هذه الحميات الغذائية، نجد أن الدراسات تثبت نجاعة حمية البحر المتوسط في الحد من أمراض القلب والشرايين، حيث وُجد أن لدى سكان البلدان المطلة على البحر المتوسط مثل اليونان واسبانيا وإيطاليا عادات ونظام غذائي صحي نسبياً يتمثل في تناول الخضروات والفاكهة والحبوب الكاملة بشكل يومي. أما تناول الأسماك والبقوليات والبيض فيكون بشكل أسبوعي مع التقليل من اللحوم الحمراء. يعد هذا النظام أسلوب حياة أكثر من كونه نظاماً صارماً، والأهم من ذلك أنه يتسق مع مبدئ التوازن الغذائي. ويشبه هذا النظام -من حيث أنه مدعم بالدراسات التي تثبت فعاليته- نظام الداش (Dash Diet) والذي يختص بمرضى ضغط الدم، ويقوم على توصيات شبيهة بالغذاء المتوازن مع التقليل من ملح الطعام.

أنظر قائمة المراجع

[1] تفاصيل الدراسة: شاهد الرابط

 

لطفا شارك مع أصدقائك

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments