التحكم بالوزن.. توازن الطاقة هو المبدأ الرئيسي لتصل إلى هدفك المنشود

 

التحكم بالوزن

ليس التحكم بالوزن إلا تعبيراً عن قدرتك على التحكم بالطاقة الداخلة والخارجة. وبالرغم من ذلك، نصحوا في كل يوم على نوع جديد من البرامج الغذائية. كل منها يزعم قدرة عجيبة على تنزيل الوزن، وستجد لكل نوع منها أنصارا يروجون له، ويصفون لك تجاربهم، وكيف تغيرت حياتهم جذريا عندما اتبعوا هذا النوع من البرامج. وغيرهم يتنقل بين برنامج لآخر، يفقد بضع كيلو غرامات، لكنه يصاب بالتعب والملل، ثم ما يلبث أن يعود لما كان عليه. ومنهم من اخترع نظريته الخاصة لتنزيل الوزن، ولعلها خليط من تجارب شخصية، ونصائح من هنا وهناك. لعله ألغى وجبة العشاء من يومه أو أمضى يومه بشيء من الشوربات والأكلات الخفيفة مع بعض التمارين الخفيفة. وصنف آخر غرق في مستنقع الأعشاب التي تزعم أنها تقضي على الدهون قضاء لا رجعة له. ففي كل بلد من البلدان (خاصة البلدان العربية) عشبة رائجة لتزيل الوزن، ففي بلد يروج الزنجبيل، وفي آخر يروج الأناناس وأخر الشاي الأخضر أو بعض الخلطات العشبية التي ما أنزل الله بها من سلطان. لعلنا في ثنايا هذه المقالات نتناول كل هذه الصرعات أو قل الادعاءات لنبين ما لها (إن كان لها من إيجابيات)، وما عليها ثم نبين بالدليل ما هو الأفضل والصحي والذي توصي به الدراسات والأبحاث، ثم نترك لك أيها القارئ الاختيار. الله سبحانه وتعالى أودع فيك نعمة العقل وترك لك الاختيار، فقال عزو وجل:  ” بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ” (القيامة: 14) ” وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” [البلد:10] فلنضرب صفحاً عن كل هذه الادعاءات والاختراعات لنطوف بشيءٍ من التفصيل حول ما يقوله العلم: كيف يمكن تنزيل الوزن؟ ما هي الطريقة الأمثل لذلك؟

التحكم بالوزن عن طريق الطاقة الداخلة والطاقة الخارجة

لا بد أن نعلم أولا أن وزن الجسم يتأثر بمبدأ توازن الطاقة، فهناك طاقة داخلة وطاقة خارجة كأنهما كفتا ميزان. تخيل أن جسدك سيّارة، فمن البديهي أن هذه السيّارة لا تتحرك إلا بعد أن يتم تزويدها بالوقود. يقوم المحرك بحرق الوقود لتتمكن السيّارة من الحركة. وهكذا يعمل جسمك.  يمثل الغذاء الذي تتناوله الوقود الذي ينتج الجسم من خلاله الطاقة والتي يستخدمها في حركته وتنقله ونشاطه. إذاً هناك طاقة داخلة وطاقة خارجة!

  • الطاقة الداخلة: هي الوقود أو الطعام الذي تتناوله والذي يحتوي على السعرات الحرارية. كل شيء نتناوله يحتوي على سعرات حرارية (عدا الماء)، لكن ذلك يختلف حسب المكونات، فمثلا يحتوي 1 غرام من الكربوهيدرات أو البروتينات على 4 سعرات حرارية، بينما يحتوي 1 غرام من الدهون على 9 سعرات حرارية. وهذ ما يفسر ارتباط زيادة الوزن مع تناول كميات كبيرة من الدهون والتي يكثر استعمالها مع العديد من أنواع الحلويات والوجبات السريعة.
  • الطاقة الخارجة: هي الطاقة التي يستهلكها الجسم، فالجسم يستهلك الطاقة بطريقتين: الأولى: عند الحركة والرياضة والثانية: عند حدوث العمليات الحيوية الداخلية مثل التنفس وانقباض القلب وإفراز الهرمونات. فحتى إذا لم تقم بأي مجهود (مثلا في وضع الراحة)، فإن جسمك سيحتاج حداً أدنى من الطاقة أو السعرات الحرارية.

التحكم بالوزن يعني التحكم به صعوداً وهبوطاً حسب حالتك الراهنة والهدف الذي تود الوصول إليه!

ولكن ما علاقة الطاقة الداخلة والخارجة بالوزن؟

ببساطة إذا حدث اختلال في كفتي الميزان انعكس ذلك على الوزن كما يلي:

  • إذا زادت الطاقة الداخلة عن الخارجة يزيد الوزن، بمعنى أنه إذا زادت السعرات الحرارية التي تتناولها عن الحد المسموح يومياً زاد الوزن. ولكل شخص احتياجه من السعرات الحرارية والتي عادة ما تقدر ب 1800-2200 سعر حراري للذين تزيد أعمارهم عن 18 سنة. هذا ما نلحظه عند الأشخاص الذين يعانون من السمنة: إفراط في تناول الطعام وبالأخص الحلويات والوجبات الجاهزة غنية السعرات الحرارية، ويرافق ذلك قلة في الحركة.

ولا يهم مصدر السعرات الحرارية سواء كانت من البروتينات أو الكربوهيدرات أو الدهون. فالسعرات الزائدة ستتحول إلى وزن زائد!

  • إذا نقصت السعرات الحرارية الداخلة عن الحد المسموح يقل الوزن، وهذا ما يعاني منه النحفاء، فهم على عكس الصنف الأول يتحركون بكثرة ولا يتناولون الحد الكافي من السعرات الحرارية.

أما إذا تساوت الطاقة الداخلة مع الخارجة (أو الحد المسموح به من السعرات الحرارية)، يثبت الوزن.

آلية التحكم بالوزن بالاعتماد على الطاقة الداخلة والخارجة

فالخطوة الأولى أن تحدد هدفك: هل تريد تنزيل وزنك أو زيادته أو تثبيته؟ بعد ذلك ما عليك إلا أن تقدر احتياجك اليومي من السعرات الحرارية.

كثيرا ما نخطئ فنقارن أنفسنا بغيرنا. فلان يأكل أكثر مني إلا أن وزنه طبيعي، بينما أعاني من زيادة في الوزن! الحقيقة أن لكل منا احتياجه من السعرات الحرارية والتي تختلف باختلاف العوامل التالية:

  1. العمر: فكلما زاد العمر، قلٌ احتياجك للسعرات الحرارية. كثيراً ما يغفل الكثير عن هذه المعلومة، فإذا زاد العمر – وبقي تناولك للسعرات كما هو – كان ذلك سببا من أسباب زيادة الوزن.
  2. مؤشر كتلة الجسم والكتلة العضلية: كلما زادت كتلة الجسم (الوزن والطول)، زاد احتياجك من السعرات الحرارية. فالسيارة كبير الحجم، تحتاج وقودا أكثر من السيارة الصغيرة. وأيضا كلما زادت الكتلة العضلية زاد احتياجك من السعرات الحرارية، وذلك لأن العضلات تنقبض وتتمدد، وكلما عملت احتاجت للطاقة.
  3. الجنس: يستهلك الذكور عادة طاقة أكبر من الإناث لأنهم يمتلكون في الغالب كتلة جسم أكبر وكتلة عضلية أكبر.
  4. هرمونات الجسم: في حالات كسل الغدة الدرقية يقل حرق الجسم للغذاء في وضعية الراحة، وبالتالي يقل الحد المسموح به يوميا من السعرات الحرارية للجسم. وبالعكس؛ في حالة فرط نشاط الغدة الدرقية يزيد معدلات حرق الغذاء، فيزيد احتياجك من السعرات الحرارية للجسم.
  5. النشاط البدني: فالأشخاص الذين يمارسون الرياضة ويتحركون بشكل أكبر يحتاجون لطاقة أكثر.

كيف نتحكم بالسعرات الحرارية لتقليل الوزن؟

توصي الدراسات والأبحاث بتقليل 500 سعر حراري يوميا لتنزيل الوزن، أي ما يعادل 3500 سعراً حرارياً في الأسبوع [1]. وهذا يتيح لك فقدان 1/2 الى 1 كيلو فقط في الأسبوع. وهذا ما يعادل نقصان 10% من الوزن الإجمالي خلال 6 أشهر قد لا يعجب هذا الكثير إلا أن هذا ما تنصح به الدراسات: فقدان تدريجي للوزن وتقليل للسعرات الحرارية بشكل معتدل. فتقليل 500 سعر حراري باليوم يمكن تحصيله مثلا باستبدال كوب من المشروبات الغازية يحتوي على 300 سعر حراري والمشي لحرق 200 سعر حراري. هذا ما يفسر لنا مقدرة بعض الأشخاص على تقليل الوزن إذا ما قاموا بترك وجبة دسمة مثل العشاء أو الذين يمتنعون عن تناول السكر وإضافته على الشاي والقهوة. ولكن احذر من أن تقوم بعملية التعويض كأن تلغي شيئا وتستبدله بشيء آخر، فتكون قد عادلت هذا بذاك، كالذي يترك وجبة العشاء لكنه يتناول خلال اليوم وما بين الوجبات أكلات من هنا أو هناك، أو الذي يحرم نفسه الطعام خلال اليوم لكنه يتسلل ليلاً إلى الثلاجة ليتناول ما يسد به جوعته، وقد يزيد على ذلك كثيرا. ألا ترى الخطأ الشائع الذي يقع فيه الكثيرون حيث يحرمون أنفسهم من الأكل بشكل كبير، فمنهم من يعاني بعد ذلك من الجوع والتعب الشديدان، ومنهم من يعاني من نقص في الفيتامينات، ويظهر ذلك على شكل أمراض. ولله در البوصيري إذ يقول:

واخش الدسائس من جوع ومن شبع               فرُب مخمصة شر من التخم

والدسائس جمع دسيسة وتعني الشر، والمخمصة هي الجوع الشديد. وإن كان البوصيري يخاطب الزهاد فيحذرهم من المبالغة في تجويع النفس، فقد تكون شر من التخمة) الأكل الزائد (فالحال عند من يقسو على نفسه في حالتنا متشابهة، ولعل النية مختلفة!

وصفات سحرية!

ما ننصحك به هو تنزيل للوزن بشكل صحي وتدريجي بحيث تستطيع الاستمرار على هذا النظام لأطول وقت ممكن. فإذا أدركت هذا علمت يقيناً أن الشاي الأخضر وخلطات العطارين وقطرات العسل مع الماء الدافئ مع الليمون في الصباح الباكر ونقيع الزنجبيل وشراب الأناناس وغيرها الكثير الكثير مما شاع وانتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم بأنه ينقص الوزن ويقضي على الكرش لا أساس له من الصحة ولا توصي به أي مؤسسة من المؤسسات الدولية المعتمدة في التغذية ومكافحة السمنة! كيف يمكن للدهون التي تكونت عبر عشرات السنين أن تزول برشفة من هنا أو هناك؟ قد تحتوي على بعض المواد المغذية والمفيدة للجسم، أما أن تقضي على الدهون فلا. ومما زاد الطين بلة أن هذه الأمور تستخدم للكسب والربح والترويج ولو على حساب صحة الناس. أولئك اللصوص، الذين يزعمون أن ذاك المنتج أو البرنامج الرياضي (وقد يباع مع قرص مدمج) سيعطيك جسدا رشيقاً أو بطناً مسطحا خلال بضع عشر أو عشرين يوماً. كل هذه الأشياء لا تأتي في ليلة وضحاها، وإنما تحصل بالمواظبة والاستمرار والالتزام. ما عليك إلا أن تعمل عقلك وتستشير أهل العلم في هذا المجال، ونالوا الشهادات المعتمدة، ثم اجتهدوا في البحث وتحلوا بالصدق والأمانة في النقل.

ببساطة ما ندعوك إليه ليس وصفة سحرية، بل هو تقليل للسعرات الحرارية (٥٠٠ سعر حراري باليوم). فالعملية ليست سهلة وتحتاج للوقت، وستشعر بالتأكيد ببعض الجوع، إلا أنها صحية بشكل كامل وتساعدك في التحكم بالوزن لأطول فترة ممكنة. والذي يصوم الأيام الطوال لا يعجزه تقليص سعرات معدودات!

التحكم بالوزن لا يعني أن تحسب وتسجِّل كل سعرة تتناولها. ما عليك إلا أن تزن نفسك كل أسبوع مرة تقريبا. فإذا كان وزنك ثابتا علمت أن هناك توازناً (تساوٍ) في الطاقة الداخلة والخارجة. وإذا نقص وزك (عند تقليل السعرات الحرارية) تيقنت أن الطاقة الداخلة أقل من الخارجة.

نعم، قد أتفق معك بأن هناك عوامل أخرى لها علاقة بالوزن كالوراثة والبيئة وعمليات الأيض، وقد ألمحنا إلى ذلك عندما ذكرنا أسباب السمنة. كما أشرنا الى طرف من ذلك عند الحديث على هرمونات الغدة الدرقية وأثرها على عملية حرق السعرات، فهذه حالات خاصة يُرجع بها إلى الأطباء لتصحيح الخلل. أما العامل الوراثي فلا تستطيع التحكم به، إنما تستطيع التحكم بالطاقة الداخلة والخارجة. ولا تنس أيضا أن العامل الوراثي يتفاعل في الغالب مع العامل البيئي المحفز للسمنة، وعندها نعاني من زيادة الوزن والسمنة.

الأدوية وتنزيل الوزن!

فإن قُلتَ: ما بال الأدوية فعالةٌ في إنقاص الوزن؟ الجواب أن بعض هذه الأدوية تعمل على سد الشهية، وتقليل الشعور بالجوع، فتجعلك لا تتناول كميات كبيرة من الطعام فتكون مجبراً على تقليل السعرات الحرارية، ومنها ما يقلل امتصاص الجسم لبعض المواد الغذائية مثل الدهون. وعليك أن تعلم أن لهذه الادوية العديد من الآثار الجانبية مثل: الإمساك والأرق وجفاف الفم وارتفاع معدل نبضات القلب والتعب والدوخة والتقيؤ وغيرها الكثير. أضف إلى ذلك أنه لا يجب تناولها إلا بعد استشارة الطبيب، وعادة ما تُوصف في حالات محددة فقط، كما أنه يُنصح بأن يصاحب تناول الأدوية تغيير في نمط الحياة (غذاء صحي ورياضة). وأخيرا تذكر أن هذه الأدوية يتم تناولها لفترة معينة، فليست حَلا على الدوام.

هل نستطيع معاملة كل ما نتناوله من السعرات الحرارية بنفس الطريقة؟

جميع ما نتناوله من الطعام يحتوي على سعرات حرارية تمد أجسادنا بالطاقة. لكن هل كل ما نتناوله من السعرات يمدنا بالفيتامينات والألياف والفيتامينات والمواد المغذية؟ بالطبع لا. من هنا ظهر مفهوم السعرات الفارغة، وهي تلك التي تمدك بالطاقة دون أدنى فائدة للجسم. ولعل أوضح الأمثلة على ذلك الكحول والسكريات المصنعة (أو السكر الأبيض المكرر). قد تتناول 200 سعرة حرارية على شكل وجية خفيفة صحية مثل اللبن والفاكهة، وقد تتناول الكمية نفسها من السعرات على شكل مشروب غازي. نعم، قد تستطيع تنزيل وزنك إذا ما قللت من السعرات الحرارية بغض النظر عن قيمة ما تأكله، لكن لن يحصل جسمك على ما يلزمه من العناصر والمواد المغذية. الهدف هو موازنة ما تتناوله من السعرات الحرارية مع قيمته الغذائية. الهدف أن تحصل على غذاء صحي متوازن. لكن ما هو الغذاء الصحي؟ وهل هناك وصفة أو نظام خاص به؟ الجواب في قادم المقالات!

إن تناول الأطعمة قليلة القيمة الغذائية قليلة السعرات، قد يساعد في التحكم بالوزن وتنزيله، لكنه لا يلبي متطلبات الجسم من المغذيات

إن أفضل علاج للسمنة وزيادة الوزن هو اتباع نمط حياة صحي ومتوازن يوفر لك سعرات حرارية مناسبة (لكن أقل بقليل من الحد الذي يلزمك)، ومواد غذائية مفيدة لجسمك، هذا بالإضافة إلى نشاط بدني منتظم. وقد أثبتت الدراسات أن فعالية محاولات تنزيل الوزن تكون أفضل ما تكون إذا ما أُضيف الغذاء الصحي إلى الرياضة، على العكس مما يفعله الكثير من الاكتفاء بأحدهما دون الآخر.

أعلم أنها عبارات مكررة ولطالما سمعناها، لكن أعدك أن نخوض في التفاصيل، ونكشف اللثام عما تصفه أحدث الدراسات والمراجع لحل هذه المشكلة. فلو كان الحل بهذه البساطة لما أعيتنا هذه المشكلة لهذا الحد.

أنظر قائمة المراجع

[1] التوصيات العالمية بشأن تقليص الحد اللازم من السعرات الحرارية: شاهد الرابط

لطفا شارك مع أصدقائك

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments